ابن الجوزي

265

صيد الخاطر

وإذا به ميت النفس ، ليس له أنفة على عرضه ولا خوف عار . ومثل هذا ليس في مسلاخ الآدميين ، فان الانسان قد يقدم على القتل لئلا يقال جبان ، ويحمل الأثقال ليقال ما قصر ، ويخاف العار فيصبر على كل آفة من الفقر ، وهو يستر ذلك حتى لا يرى بعين ناقصة . حتى أن الجاهل إذا قيل له : يا جاهل غضب . واللصوص المتهيئون للحرام إذا قال أحدهم للآخر : لا تتكلم ، فان أختك تفعل وتصنع ، أخذته الحمية فقتل الأخت . ومن له نفس لا يقف في مقام تهمة لئلا يظن به . فأما من لا يبالي أن يرى سكران ، ولا يهمه أن شهر بين الناس ، ولا يؤلمه ذكر الناس له بالسوء ، فذاك في عداد البهائم . وهذا الذي يريد أن يتبع النفس هواها لا يلتذ به إلا أن لا يخاف عنتا ولا لوما ، ولا يكون له عرض يحذر عليه ، فهو بهيمة في مسلاخ انسان « 1 » ، وإلا فأي عيش لمن شرب الخمر وأخذ عقيب ذلك وضرب وشاع في الناس ما قد فعل به ، أما يفي ذلك باللذة ؟ لا ، بل يربي عليها أضعافا . وأي عيش لمن ساكن الكسل إذا رأى أقرانه قد برزوا في العلم وهو جاهل ، أو استغنوا بالتجارة وهو فقير ، فهل يبقى للالتذاذ بالكسل والراحة معنى . ولو تفكر الزاني بالاحدوثة عنه ، أو تصور أخذ الحد منه ، لكف الكفّ ، غير أنه يرى لذة حاضرة كأنها لمع برق . ويا شؤم ما أعقبت من طول الأسى ، هذا كله في العاجل . فأما الآجل فمنغصة العذاب دائمة ، « وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها » نسأل اللّه أنفة من الرذائل ، وهمة في طلب الفضائل انه قريب مجيب . 220 - المبارزة بالمعاصي قد تبغت العقوبات ، وقد يؤخرها الحلم ، والعاقل من إذا فعل خطيئة بادرها بالتوبة ، فكم مغرور بامهال العصاة لم يمهل . وأسرع المعاصي عقوبة ما خلا عن لذة تنسي النهي ، فتكون تلك الخطيئة كالمعاندة والمبارزة ، فان كانت توجب اعتراضا على الخالق أو منازعة له في عظمته ، فتلك التي لا تتلافى . خصوصا إن

--> ( 1 ) أي في جلد انسان .